تأخذُ بعضُ المصطلحات موقعاً أثيراً في الكتابات الفكريَّة والثقافيَّة، ويَشيع استعمالهُا دون أن يتمَّ تحديدُ دلالاتِها بصورة واضحة. ولذلك ليس من الغريب أن تجدَ المصطلحَ يُستخدم بدلالاتٍ مختلفة، وربَّما متناقضة. ولعلَّ هذا هو الحال مع مصطلح التكامل المعرفي. ذلك أنَّ المصطلح يُستخدم في كثير من الأحيان ليعني أنَّ شخصاً ما موسوعيٌ في معرفته وثقافته؛ لأنَّه يُلمُّ بكثير من العلوم، ولو كان إلمامُه من باب الثقافة العامة وليس المعرفة التخصصية.
ما زال تحديد المراد بـ "المفهوم"، ومن ثم تحديد المنهج الأنسب لتدارس مفهوم ما، موضع سجال في الساحة الفكرية. ويرجع ذلك بالأساس إلى التوسع في إطلاق المفهوم؛ مما أفضى إلى اختلاطه بغيره، وعدم استقلاله بحدود معرفية فاصلة. ولعل أبرز مظاهر ذلك الخلط، جعلُ المفهوم مرادفاً للتصور في الحقل الفلسفي من جهة، وجعله من جهة أخرى متداخلاً مع المصطلح، بحيث يطلق المفهوم على المضمون، وينصرف المصطلح إلى اللفظ.
يُعدّ عبد الرحمن ابن خلدون شخصية فذَّة في تاريخ الفكر الإسلامي، فهو عالم موسوعي في سائر العلوم التي كانت رائجة في عصره. وقد اتّسم بعمق التفكير، وتحكيم العقلانية في كل شيء، ودقة استقراء الأحداث، في عصر غلبت فيه الرواية على النقد، والنقل على العقل، والخيال على الشك، والوهم على التجربة. فقلب ابن خلدون هذا الوضع المعرفي المختل رأساً على عقب؛ إذ احتكم إلى العقل، وقدّم التجربة الحسية على النظر المجرد؛ مما بوّأه لأن يكون الواضع الأول لفلسفة التاريخ، والمؤسس الأول لعلم الاجتماع، الذي عبّر عنه في (المقدمة) بـ (علم العُمران البشري)، فكان بحق أول فيلسوف مؤرخ، "ورائد العقل، والحداثة" كما وصفه محمد الطالبي. فضلاً عن تجاربه السياسية العميقة.
يروم هذا البحث الإسهام في مقاربة إشكالين معرفيين مركزيين، ينتصبان تحدياً كبيراً أمام الفكر الإسلامي المعاصر؛ يتعلق أحدهما بقضية الوعي الإيجابي بتاريخنا واستيعاب كلياته الناظمة لجزئيات وقائعه، ويرتبط الثاني ببحث الأسس المعرفية لبناء الرؤية المستقبلية الاستراتيجية التي تنتظم حركية الأمة الحضارية في مسيرها التاريخي.
تقفُ مشكلةُ غياب الموضوعية في دراسة الأديان، في صدارة المشكلات العلمية التي تواجه الباحث المنصف، فهي تؤثر في منهج الدراسة ونتائجها، وتؤدِّي إلى اختزال دراسة الأديان للبحث عن العيوب والمتناقضات والمتشابهات.
سعت هذه الدراسة إلى رسم معالم واضحة لفقه الواقع، بحيث تتمايز ساحته عن بقية الساحات في الجسم الفقهي، وذلك من خلال بيان مفهوم فقه الواقع، وأهميته للاجتهاد، وتأصيله بالاستدلال له من الكتاب والسنة واجتهاد الصحابة والمصادر التبعية، إضافة إلى تبيين أثره في الاجتهاد وبناء الأحكام؛ من خلال التمييز بين النصوص التي يؤثر فيها البُعد الزماني والمكاني، من النصوص التي تتصف بثبات أحكامها، والأحكام المعللة، وفقه تطبيقها على أرض الواقع من خلال تنقيح المناط وتحقيقه، وعوامل تغير الأحكام الاجتهادية في الواقع، وأثر فقه الواقع في الترجيح الفقهي، وأثره –كذلك- في الحكم والفتوى والقضاء، مع وضع ضوابط للاجتهاد المعاصر في كيفية التعامل مع النصوص الثابتة والواقع المتغير.
عُقد المؤتمر في مقر الجامعة العربية في القاهرة، وذلك بالتعاون بين ثلاث مؤسسات علمية هي: مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات الذي تحتضنه كلية الاقتصاد والعلوم السياسية/ جامعة القاهرة، وعن الجانب التركي كل من: مجلة حراء التي تصدر بالعربية، ووقفية أكاديمية البحوث والإنترنت.