|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
منتدى إسلامية المعرفة
المنتدى
 منتدى إسلامية المعرفة : المنتدى
العنوان موضوع: في أهمية الدرس المعرفي إضافة ردإضافة موضوع
الكاتب
الرسالة << الموضوع السابق | الموضوع التالي >>
iiitl
Admin Group
Admin Group


انضم: 11 July 2008
البلد: Lebanon
الان: أوف لاين
مشاركات: 22
وضعت في: 16 July 2008 الساعة 10:58am | IP مقبول

في أهمية الدرس المعرفي

 

عبد الوهاب المسيري*

 

نبدأ هذه الدراسة بتعريف مصطلح(المعرفي) في مقابل السياسي والاقتصادي والتاريخي ...الخ، فالمعرفي من أكثر المصطلحات خلافية . وفي الخطاب الفلسفي العربي، يكون مصطلح (معرفي) عادةً ترجمة لكلمة(Epistemology) المشتقة من الكلمتين اليونانيتينEpisteme))بمعنى (معرفة) و(Logus) بمعنى(علم) بمعنى ( دراسة) أو (نظرة). والإبستمولوجيا هي علم دراسة مانزعم أنه معرفة، إما عن العالم الخارجي (المادي ) أو عن العالم الداخلي ( الإنساني )، وهو علم يدرس (بشكل نقدي ) المبادئ والفرضيات والنتائج العلمية؛ بهدف بيان أصلها وحدودها، ومدى شموليتها ، وقيمتها الموضوعية، ومناهجها ، وصحتها  والإبسمولوجيا في اللغة الإنجليزية : هي بشكل عام نظرية المعرفة (التي تتناول العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف)، أما في اللغة الفرنسية ، فهي تعني أساساً نظرية العلوم أو فلسفة العلوم وتاريخها . وقد سبب اختلاف المعنى بين المعجمين الإنجليزي والفرنسي اختلاطاً كبيراً في اللغة العربية ، إذ يتخذ كل مؤلف على حدة من معجم غربي معين دون غيره مرجعيته، فتظهر الكلمة في اللغة العربية بمدلولين مختلفين وسوف نحاول أن نصل إلى تعريف يتجاوز إلى حد ما الاختلاط الدلالي.

وفي تصورنا، فإن الكلمة" المعرفي" بمعناها العريض تعني ( الكلي والنهائي)، و(الكلي) مقابل (الجزئي) هو ما ينسب إلى الكل،و(الكل) في اللغة اسم لمجموع

  110   إسلامية المعرفة، السنة الخامسة: العدد العشرون                       عبد الوهاب المسيري 

 


أجزاء الشيء ، وكلمة ( كلي ) تفيد الشمول والعموم ، وهي لا تعني الكليت بالمعنى الفلسفي ؛ أي الحقائق التي لا تقع تحت حكم الحواس، بل تدرك بالعقل والمنطق وحسب. وعلى هذا ، فإن كلمة ( كلي ) تشمل كل الشيء في جوانبه كافة؛ ما يقع منها تحت حكم الحواس وما لا يقع ، أما كلمة ( نهائي) فهي كلمة منسوبة إلى (نهائي) ، ونهاية الشيء غايته وآخر هو أقصى ما يمكن أن يبلغه الشيء،فالنهائي يحوي في طياته الغائي.

وعادة ما نضع المستوى المعرفي في مقابل المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل الحضاري . وهذا المعنى، رغم جدته، متضمن في كثير من تعريفات كلمة ( إبستمولوجيا) والإبستمولوجيا، بالمعنى الضيق للكلمة ، تتناول موضوعات مثل طبيعة المعرفة ومصادرها ، وإمكانية تحققها، ومصداقيتها ، وكيفية التعبير عنها، ولكنها تعني أيضاً المسلمات الكامنة وراء المعرفة. وهذا المجال الأخير ينقلنا من المعنى الضيق إلى المعنى الواسع. فالإبستمولوجيا تعني أيضاً توضيح المقولات القبلية في الفكر الإنساني ، ولذا يذهب بعضهم إلى أن الميتافيزيقا تنقسم إلى : أنطولوجيا وإبستمولوجيا، وأن كل رؤية للعالم Worldview تحوي داخلها ميتافيزيقا (أي أنطولوجيا وإبستمولوجيا) كما يرى بعضهم أن الإبستمولوجيا تعني ( رؤية العالم).

ولتوضيح مفهوم الإبستمولوجيا بالمعنى العريض للكلمة ، سنضرب أمثلة ببعض الإشكاليات والقضايا التي وصفت بأنها (إبستمولوجيا).

1-تورد بعض المعاجم المسالة التالية باعتبارها مسألة إبستمولوجيا: ما الفرق بين هذه المفاهيم : العقيدة-الإيمان-الرأي-الخيال-التفكير-الفكرة-المعرفة-الحقيقة-الواقع-الخطأ-الإمكانية-اليقين؟

2-تحاول الإبستمولوجيا (حسب أحد التعريفات) أن توضح الفرق بين الثنائيات المتعارضة التالية:المعرفة الذهنية مقابل المعرفة غير الذهنية، التبرير مقابل الوصف، القبلية مقابل البعدية، الضروري مقابل العرضي، التحليلي مقابل التركيبي، العارف مقابل المعروف، المدرك مقابل غير المدرك، المعرفة المادية مقابل المعرفة الحدسية، الحقيقي مقابل الوهمي ، الكلي مقابل الجزئي، اليقين مقابل الشك.

في أهمية الدرس المعرفي                                                          رأي وحوار 111

 


3-من القضايا الأساسية التي وُصف بانها (معرفية)قضية التناقض الأساسي في الحضارة الغربية الحديثة بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية.

4-من القضايا الأخرى الأساسية في الحضارة الغربية التي وُصف بأنها (إبستمولوجيا) فكرة الجوهر وفكرة الكل . وهما في رأي البعض فكرتان مرتبطتان تمام الارتباط. فالجوهر هو الدعامة الاساسية والثابتة لكل الظواهر ، وهو الناحية الأولية والكلية في الشيء . وتعتمد الظواهر على الجوهر لوجودها ولا يعتمد هو على أي شيء آخر لوجوده. ومن ثم، فإن الجوهر هو الحقيقي ، وما عداه فهو وهم. والجوهر هو الباطن والوهم هو الظاهر . ولا يمكن لشيء أن يوجد دون جوهر ، وبدونه لا يمكن أن يكون على ما هو عليه. والإيمان بفكرة الجوهر يعني الإيمان بأن ثمة ثباتاً في الواقع وأن هناك كليات ثابتة وراء الجزئياتالمتغيرة. ومن ثم لا يؤمن العدميون السفسطائيون  ودعاة"ما بعد الحداثة " بوجود (جوهر)، فكل شيء متغير وعرضي.

5-قضية الحقيقة هي الأخرى من القضايا التي توصف بأنها (إبستمولوجيا) ما معيار الحقيقة؟ وقد كان الفكر الغربي حتى عصر النهضة يؤمن بنظرية التقابل ، وبأن الحقيقي هو الشيء الذي له ما يناظره في الواقع. ثم بدأت هذه النظرية في الانحسار تدريجياً لتحل محلها نظرية التماسك ، فالحقيقي هو الشيء المتماسك (بشكل عضوي) المتسق مع ذاته. وأخيراً هناك النظرية البرجماتية، وهي ترفض كلاً من نظريتي التقابل والتماسك وترى أن الحقيقي هو ما ينجح؛ أي أن المنظور الوحيد هو دائماً منظور إجرائي . وقضية الحقيقة مثل قضية الجوهر ليست مقصورة على الحقل المعرفي ، وإنما تناقش أيضاً على مستوى علم الأخلاق ، وعلم الجمال، وعلى مستوى الأنطولوجي ، بل على مستوى تاريخ الأفكار ، وتاريخ الحضارة ، وفلسفة التاريخ.

وتبين الأمثلة السابقة أن كلمة (إبستمولوجي) قد يكون لها معنى ضيق، مع أنها ذات معنى واسع عريض ، وليس ثمة ما يلزمنا بأن نأخذ بالتعريف الضيق دون التعريف العريض. وهنا تنشأ مشكلة ، وهي أن التعريف العريض يتداخل مع الميتافيزيقا،فالأسئلة الكلية والنهائية هي ذاتها الأسئلة التي تطرحها الميتافيزيقا،

  112   إسلامية المعرفة، السنة الخامسة: العدد العشرون                       عبد الوهاب المسيري 

 


ولذا كان من الأجدى أن نتحدث عن الميتافيزيقا. ولكن هذه الكلمة (الميتافيزيقا) فقدت مكانتها تماماً في اللغة العربية وفي اللغات الأوروبية . سواء بين المتخصصين أو بين العامة، وأصبحت مرتبطة في العقول بالخزعبلات والخرافات ، ولذا سنحتفظ بكلمة (معرفيّة) ونسقط مرجعبتها الإنكليزية ( نظرية المعرفة)، أو الفرنسية (فلسفة العلوم)، ونرجع بالكلمة إلى المعجم العربي حيث تعرف المعرفة بأنها (إدراك الشيء على حقيقته) (عرف الشيء: أدركه بعلمه) وحيث إننا نرى أن إدراك الشيء على حقيقته يعني ضرورة التجريد للوصول إلى المعنى الكلي أو إلى النموذج الكامن ، فإن عبارة مثل (المستوى المعرفي) تعني المستوى الذي يتم فيه إدراك الحقيقة الكلية والنهائية الكامنة وراء ظاهرة أو نص ما، ويتم ذلك من خلال عملية تجريدية تزيح جانباً التفاصيل التي يراها الباحث غير مهمة، وتبقى السمات الأصلية الجوهرية للشيء ، والتي تشكل في واقع الأمر إجابة النص أو الظاهرة على الأسئلة الكلية والنهائية.

والأسئلة الكبرى أو الكلية أو النهائية هي أسئلة عما يسمى في النقد الأدبي الغربي الموضوعات الكبرى(Major  themes)في حياة الإنسان، وهي أسئلة تدور حول الإنسان والإله والطبيعة. ولكن هذه المحاور الثلاثة مترابطة إلى درجة أنه يمكن من خلال التعمق في دراسة عنصر واحد الوصول إلى العنصرين الآخرين.

ويمكن تلخيص كل هذه الموضوعات الأساسية في ثلاثة محاور أساسية (مع التركيز على الإنسان):

1-علاقة الإنسان بالطبيعة (المادة)، وأيهما يسبق الآخر: هل الإنسان جزءٌ لا يتجزأ من الطبيعة (المادة)، أم هو جزء يتجزأ منها وله استقلاله النسبي عنها؟ هل الإنسان وجود طبيعي (مادي محض) أم أنه بأبعاد أخرى  لا تخضع لعالم الطبيعة (المادة)؟ هل يتسم الكون بالثنائية أم تسود فيه الواحدية؟ هل الإنسان سابق للطبيعة(المادة)، متجاوز لها؟ أم أنها سابقة عليه، متجاوزة له؟

2-الهدف من الوجود : هل هناك هدف من وجود الإنسان في الكون ؟ هل هناك غرض في الطبيعة أم أنها مجرد حركة دائمة متكررة ، حركة متطورة نحو درجات عليا من النمو والتقدم ، أم حركة خاضعة تماماً للمصادفة؟ ما المبدأ

في أهمية الدرس المعرفي                                                          رأي وحوار 113

 


الواحد في الكون ، وما القوة المحركة له التي تمنحه هدفه وتماسكه وتضفي عليه المعنى؟ هل هو كامن فيه أم متجاوز له؟

3-مشكلة المعيارية : هل هناك معيارية أساسية ؟ ومن أين يستمد الإنسان معياريته: من عقله المادي أم من أسلافه أم من جسده أم من الطبيعة ( المادة) أم من قوى متجاوزة لحركة المادة؟

وهذه أسئلة مجردة عميقة. وحياة الإنسان مهما كانت عادية أو تافهة ، هي محاولة للإجابة عنها ، وحتى محاولة التهرب منها ورفضها بشكل إجابة ، فحينما يقول امرؤ القيس ( لا صحو اليوم ولا سكر غداً.... اليوم خمر وغداً أمر)، فهو في هروبه هذا قد أجاب على الأسئلة الكلية والنهائية . ولذا ، فهي تتجلى في فكر الإنسان الواعي وغير الواعي ، وفي أعماله ذات الدلالة العميقة وفي أفعاله التي تبدو تافهة وغير ذات دلالة على الإطلاق.

والمستوى السياسي في التحليل يتوجه لأسئلة سياسية، كما أن المستوى الاقتصادي يتوجه لأسئلة اقتصادية ، ويحاول أن يجيب عنها بطريقة سياسية واقتصادية "محايدة"، لا تصل إلى الأسئلة الكلية والنهائية . فمثلاً يمكن لأحد علماء السياسة أن يقول:"الأزمة السياسية لهذا المجتمع هي في جوهرها أزمة اقتصادية، ويمكن حلها عن طريق رفع مستوى المعيشة والتنمية السريعة"، فهو يرى أن الأزمة السياسية تضرب بجذورها في الوجود الاقتصادي للإنسان ، ويتأتى حلها  عن طريق آليات اقتصادية . وقد يتصور هذا العالم السياسي أنه لم يتوجه لأية أسئلة كلية أو نهائية مثل تكوين الإنسان والهدف من وجوده ومعياريته، ولكن التحليل المعرفي المتعمق يمكنه أن يكشف أن إجابته تفترض إجابة اقتصادية (مادية) عن هذه الأسئلة الكلية والنهائية ، فالإنسان هو جسد ومادة وحسب، احتياجاته ودوافعه ومعياريته اقتصادية ، ومن ثم فإنه حين لا يحقق ذاته اقتصادياً تنشأ الأزمة في المجتمع ، ويمكن حلها عن طريق إشباع الرغبات والدوافع الاقتصادية ، وإن كانت هناك دوافع غير اقتصادية فلا شك  في أنها ثانوية وهامشية ، ولذا فإن حل أزمة المجتمع لا يتوجه لها، كما أن عملية رصد المجتمع تستبعدها ، ومن ثم فإن هناك بعداً معرفياً كلياً ونهائياً في أي خطاب تحليلي، مهما بلغ من الحيادية والتجريدية والسطحية والمباشرة.

  114   إسلامية المعرفة، السنة الخامسة: العدد العشرون                       عبد الوهاب المسيري 

 


بعد هذا التعريف المبدئي لما هو (معرفي) يمكننا أن نحاول استبعاد بعض النشاطات ، باعتبارها نشاطات (غير معرفية). وكونها (غير معرفية) لا يعني بالضرورة أنها (غير مهمة )، وإنما يعني أنها تتعامل مع الواقع من خلال مستوى محدد قد يكون سياسياً أو اقتصادياً، ولكنه مع أهميته ظل بعيداً عن البعد الكلي والنهائي المجرد( رغم أنه له بعده الكلي والنهائي بالضرورة ، كما أسلفنا).

1-يمكن القول  إن النشاط الخيري( بناء مسجد-مستشفى للفقراء...الخ) نشاط مهم وحيوي وخيّر ولا شك ولكنه مع هذا ليس بنشاط معرفي.

2-أي نشاط دعوي (الدعوة للإسلام والأخلاق الحميدة-الحض على التقوى-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ليس بنشاط معرفي.

3-الانخراط في الحركات السياسية(الإسلامية أو غير الإسلامية).

4-تحفيظ النشئ القرآن.

5-تفسير القرآن لغوياً دون التعرض للثوابت الكلية والنهائية.

كل هذه ولا شك نشاطات إسلامية إنسانية طيبة، ولكنها لا تضيف إلى المعرفة ، فهي لا تشكل نشاطاً فكرياً أو نظرياً( وهي بالمناسبة لا تدعي لنفسها ذلك)، وهناك نشاطات إسلامية يصنفها بعضهم على أنها نشاطات معرفية،

وتدعي هي ذلك لنفسها ، ولكنها في واقع الأمر ، ليست معرفية بالمعنى الذي طرحناه فهي في عالم الجزئي والمباشر والمتعين، بعيدة عن الكلي والنهائي والمجرد، ومن أمثلة ذلك ما يآتي:

أ-هناك من يرى أنه يمكن أن نستورد العلوم الإنسانية والطبيعية الغربية ونضعها داخل إطار إسلامي، عادة ما يأخذ شكل إضافة  آية في المقدمة وفي الخاتمة وإضافة بعض الآيات في المتن، فتصبح المادة المستوردة بذلك"إسلامية"، فكتب الأحياء مثلاً يجب أن تبدأ بآية )وجعلنا من الماء كل شيء حي(، وتبدأ كل الدروس بالبسملة وهكذا.وعملية الاستيراد هذه لم تصل إلى مستوى الكلي والنهائي والمجرد، وإنما بقيت على مستوى النص المستورد وبعض المبادئ الإسلامية الأخلاقية.

ب-قريب من هذا من يرى أن " تنقية " العلوم الاجتماعية الغربيـة مـن

في أهمية الدرس المعرفي                                                          رأي وحوار 115

 


الشوائب هو نشاط معرفي ، وبناءً عليه يمكن استيراد نظريات علم النفس مع استبعاد نظريات فرويد في الجنس، ويمكن أن نستورد نظريات الإدارة، شريطة أن نستبعد أي حديث عن (الطبيعة) أو (المصادفة)، وعملية "التنقية" هذه عملية سطحية ؛ لأنها لا تصل بحال إلى النماذج المعرفية ، الكلية والنهائية.

ج-هناك من يرى أن من النشاطات المعرفية التوفيق بين العلم والدين، وما يسمى الملائمة والمقابلات ، كأن يبحث العالم عن مفهوم مماثل علمي ثم يذهب إلى القرآن والسنة ينقب فيهما عسى أن يعثر على مفهوم مماثل ، ويعلن أن هذا المفهوم  العلمي أو ذاك إنما هو في واقع الأمر مفهوم إسلامي (الذرة موجودة في القرآن، وهكذا)،يتم هذا دون بحث في الثوابت الكلية والنهائية الإسلامية ودون التعرض لثوابت العلم الكلية والنهائية.

د-هناك من يتصور أن رصد إسهامات العلماء المسلمين وممارساتهم هي نشاط معرفي، وهي ولا شك نشاط محمود ، ولكنه نشاط تاريخي بالدرجة الأولى،  إن لم يحاول أن يبين كيف أن هذه الإسهامات والممارسات تعبر عن الثوابت الكلية والنهائية الإسلامية.

هـ-لا يختلف عن هذا كثيراً من يكرس جل نشاطه لإثبات أن المسلمين قد سبقوا الغربيين في كذا وكذا ويؤكد فضل المسلمين عليهم ، دون أن يبين الاختلافات (أو نقط التشابه) الجوهرية بين الفريقين ؛ أي دون أن يتناول موضوعه على المستوى الكلي والنهائي الذي أشرنا إليه.

وغني عن القول إن كل هذه النشاطات الفكرية ، التي أسلفنا الإشارة إليها تتفاوت في جودتها ورداءتها وعمقها وسطحيتها بتفاوت القائمين بها؛ إلا أنها تشترك في سمة أساسية هي أنها تفتقد إلى إسلامية الرؤية المتكاملة (النموذج المعرفي)؛ إذ إنها تنتمي إلى السطح أو إلى الجزء دون الكل، فالكل الذي يتم استيراده أو دراسته يظل مضبوطاً بنماذج دخيلة،وبثوابت كلية ونهائية (مستمدة عادة من النموذج المعرفي العلماني الشامل). ولنضرب مثلاً مثيراً على ذلك . قد يقوم أحد الفقهاء بتفسير القرآن ويبذل قصارى جهده في "التوفيق" بينه وبين العلم، ويظن أنه قدم بذلك خدمة "معرفية" للإسلام ، ولكنه يستخدم (عـادة

  116   إسلامية المعرفة، السنة الخامسة: العدد العشرون                       عبد الوهاب المسيري 

 


دون أن يعي نموذجاً كامناً فعالاً يتضمن إجابات علمانية شاملة على الأسئلة الكلية والنهائية مثل الالتزام بالعلم، المنفصل عن القيمة ، كقيمة حاكمة ، ومن ثم الالتزام بحاكمية العقل والعلم ومرجعيتهما ، وهذا أمر مختلف عن القيمة الحاكمة الإسلامية، التي تؤكد أهمية عقل الإنسان ومركزيته في العملية المعرفية ، ولكنها تؤكد أيضاً محدوديته، كما تؤكد أسبقية القيم الأخلاقية والإنسانية على العلم الطبيعي.

ولنضرب مثلاً آخر على التناول غير المعرفي لهذا المفكر التربوي الإسلامي الذي يقدم مشروعاً لإصلاح التعليم؛ ولإنجاز ذلك يقترح إطالة الفسحة التي يأخذها التلاميذ حتى يتسنى لهم أداء صلاة الظهر في المدرسة في موعدها ، كما يقترح إيقاف الدراسة كلما حان موعد إقامة الصلاة، وهذه مطالب في غاية النبل، ولكنها لا علاقة لها بالمستوى المعرفي (الكلي والنهائي)؛ إذ يظل السؤال المطروح هو: ماذا عن مضمون الدراسة قبل الصلاة وبعدها ؟ ماذا عن منهج الدراسة ككل، ومجموعة النماذج والقيم الحاكمة فيها؟ وبعد أن يؤدي الطلبة الصلاة، هل سيذهبون إلى أستاذ يحدثهم عن حتمية تقدم العلوم ، ويبين لهم أن العلم قد حقق هذا التقدم ؛ لأنه نشاط محايد مجرد من الأخلاق ينظر إلى العالم باعتباره كماً محضاً، أم أنه سيستخدم نموذجاً إسلامياً؟

أما مثلنا الثالث فهو هذا المفكر الاقتصادي المسلم الذي يبذل جل وقته لإثبات أن الربا حلال،أو يحاول أن يخرج بتوليفة إسلامية تجعل من الممكن إنشاء نظام مصرفي إسلامي داخل منظومة اقتصادية جاهزة،أتت من الغرب،مبنية على التنافس والصراع ورؤية العالم بشكل دارويني،باعتباره غاية كاملة لا تراحم فيها وقد يطرح هذا المفكر شعار "زيادة الإنتاج" كمثل أعلى ، دون أن يتحدث عن الضوابط الأخلاقية للإنتاج، والقيم السابقة للإنتاج، والهدف من الإنتاج، ففي المنظور الإسلامي إنتاج السلع لا يمكن أن يكون قيمة في ذاته؛ هذا المفكر لم يقدم معرفة إسلامية جديدة لأنه لم يقم بالتجريد، واكتفى باستيراد الأفكار الجاهزة والمحكومة بنماذج أخرى من الخارج، أي خارج المنظومة الإسلامية، ولم يتعامل مع الثوابت الكلية والنهائية، ولم يخضع القيم الحاكمة في النمـوذج

في أهمية الدرس المعرفي                                                          رأي وحوار 117

 


الاقتصادي العلماني الشامل للتحليل والنقد، ولم يتساءل عن قيم مثل المنفعة وزيادة الاستهلاك ، ومدى جدواها ومدى إسهامها في تحقيق جوهر الإنسان.

ولنضرب بعض الأمثلة الطريقة الأخرى على المحاولات الطيبة لتبني بعض جوانب السلوك الإسلامي دون الالتزام بالثوابت الكلية والنهائية ، انظر على سبيل المثال: الشخص الذي يقصر جلبابه ويبني مسجداً في غاية البساطة(حسب التعاليم الإسلامية )، ومع هذا يركب أفخر السيارات، ويعيش في أكثر المنازل رفاهية ، تحت شعار أن هذا"حلال" دون أن يدرك أنه قد سقط في النموذج المعرفي الاستهلاكي ، وكأن الهدف من وجود الإنسان في الكون ليس التراحم وإقامة العدل في الأرض، وإنما الاستهلاك والمزيد من الاستهلاك. أذكر مرة أنني كنت أجلس مع بعض الأصدقاء المسلمين وحانت ساعة المصارعة الحرة في التلفيزيون، والتي أحس بالإشمئزاز منها لدرجة أن معدتي تصاب بالغثيان.وبدلاً من أن أطلب من الأصدقاء أن يغلقوا التلفيزيون حاولت أن أكون كيّساً معهم،فسألتهم: لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم معنا، أكان سيوافق على هذه المصارعة الحرة فسارع الإخوة بالنفي، وحينما سألتهم عن السبب: قالوا لأن المصارعين لا يرتدون "سروالاً شرعياً" وهكذا فاتتهم بنية الصراع الدارويني التي حولت المتصارعين إلى كتلتين من اللحم المتصادمتين؛ أي أن البعد المعرفي ، الكلي والنهائي، لم يسترع انتباههم على الإطلاق.

وأذكر أنني حضرت مؤتمراً طبياً"إسلامياً" وكانت القضية الأساسية التي يتناولها المؤتمر هي:هل الصابون المصنوع من دهن الخنزير حلال أم حرام؟ وفاتهم أن يتساءلوا عن حكمة التدخل الجرحي (الإمبريالي) دون اكتراث بالإنسان، ودون أن يتساءلوا عن دور علم النفس في عمليات العلاج الطبية.كما أذكر أنني حضرت مؤتمراً آخر عن إدارة الأعمال، وكان يوجد بعض رجال الأعمال الصينيين الذين كانوا يدافعون عن التجارة والخصخصة، فأشاروا إلى أن العمل Business حلال، بل إلى أن السيدة خديجة رضي الله عنها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت امرأة أعمال(Businesswoman)،وهذا مثل جيد على  التحليل السطحي ، الذي يحل محل التحليل المعرفي ، وينتهي إلى نتائج مضللة.

  118إسلامية المعرفة، السنة الخامسة: العدد العشرون                       عبد الوهاب المسيري 

 


فالتجارة التي كان يقوم بها الرسول صلى الله عليه وسلم (وزوجته خديجة) كانت محكومة بمنظومة قيمية تسبق عملية الاتجار والمساومة والربح والخسارة ولذا كانت الأمانة مسألة أساسية لا بد أن تتوافر في "التاجر"، أما تجارة عالم الخصخصة فهي تجارة لا يحكمها سوى قوانين العرض والطلب والصراع الدارويني.

ولأضرب مثلاً أخيراً على التحليل السطحي في مقابل التحليل المعرفي . عُرفت الحداثة (والتحديث) بأنها نقل العلم والتكنولوجيا ، ولم يتحدث أحد عن القيمة والحداثة بهذا الشكل لا يمكن لأحد أن يقف ضدها ، فمن يمكن أن يقف ضد العلم والتكنولوجيا؟ ولكن لو عُرفت الحداثة بأنها" نقل العلم والتكنولوجيا المنفصلين عن القيمة " فإن القضية تصبح مختلفة تماماً، ولتمّت مناقشة الموضوع على مستوى معرفي، ولأصبح الناس مدركين للأبعاد الحقيقية للتحديث، ولاتخذوا قرارهم بشأنه وهم على بينة من أمرهم ، وربما لأمكنهم الحديث عن "نقل العلم والتكنولوجيا دون التخلي عن القيمة".

إن محاولات النظر في الواقع دون إدراك البعد المعرفي يخلق الوهم بأننا ننتج معرفة إسلامية ، ومن ثم فنحن نضيع فرصة تاريخية نادرة ، فإدراك البعد المعرفي الإسلامي قد ظهر مع تآكل النموذج المعرفي في الغرب وبسبب عجزه ، ومع تزايد إحساس الأمة بمفكريها وجماهيرها ، بأنه لا بد أن نأتي ببديل من داخل منظومتنا الإسلامية . أما التناول السطحي الذي يملأ الفراغ ويريح النفوس ويبدد الطاقة الإبداعية ، فإنه إنما يخلق شعوراً زائفاً بالطمأنينة.

وهذه الرؤية السطحية التي تكتفي بالسياسي والاقتصادي، وتستبعد المعرفي (الكلي والنهائي)، هي في تصورنا من ميراث الفكر المعرفي الاستناري، الذي يرى أن هناك إنساناً طبيعياً(مادياً) خاضعاً للقوانين الطبيعية (المادية العامة)، هذا الإنسان العام يكتسب الحضارة،ويكتسب الخصوصية الثقافية من خلال "إضافة" بعض الأفكار الثقافية له.فالثقافة شيء برّاني يضاف إليه(نموذج تراكمي)، ليست شيئاً جوانياً مرتبطاً بجوهره وكونيته(نموذج توليدي). وعادة ما يترجم هذا الإنسان الطبيعي(المادي ) نفسه إلى الإنسان الاقتصادي (الذي تتعامل معه

في أهمية الدرس المعرفي                                                          رأي وحوار 119

 


النظريات النفسية المادية بكفاءة منقطعة النظير). وجوهر هذا الإنسان اقتصادي أو جسماني ، أما إنسانيته المتفردة فشيء جديد يضاف إليه ويكتسبه (ويمكن أن يرد في نهاية الأمر في التحليل الأخير إلى ماديته الاقتصادية أو الجسمانية).

وأصحاب نموذج التوفيق أو التنقية والاستيراد يتبنون نموذجاً تراكمياً، ويفترضون هذا الإنسان الطبيعي (المادي) نقطة بدء، على أن"تضاف" له المعرفة الإسلامية أو الأبعاد الإسلامية.

وقبل أنم ننتقل إلى موضوعنا الأساسي ، أهمية الدرس المعرفي ، هناك قضية  لا بد أن نتوجه إليها وهي : المسلمون الطيبون الذين يستنكرون فكرة توليد معرفة إسلامية من أساسها، وحجتهم في هذا أن كل ما قد يحتاجه المسلم من فكر أو معرفة موجودة بشكل جاهز في كتاب الله الذي يحوي كل المعرفة ، وصالح لكل زمان ومكان بل إنهم يذهبون إلى أنه لا يوجد أصلاً ما يسمى (معرفة إسلامية) وإنما يوجد (عقيدة إسلامية)وحسب ، إن تمسك بها المسلم صلح حاله، وصلح حال الأمة واستقرت الأمور في مواقعها . ومثل هذه الرؤية الطيبة تتجاهل حقيقة أساسية في عصرنا الحديث، وهي أن التطور التلقائي أصبح مستحيلاً بسبب وجود الإمبريالية الغربية ، وأجهزة المخابرات الخاصة بها، وأجهزة الإعلام التي تحدد توقعات البشر. وتخلق أحلامهم، بمقاييس تم إعدادها بعناية شديدة في هوليود، وفي أروقة المخابرات الأمريكية وغيرها ، ومن ثم فالمسلم الطيب ، الذي يقيم تعاليم دينه بحرص شديد، ويذهب إلى القرآن والسنة بشكل مباشر ، قد لا يدرك أن النماذج المعرفية العلمانية قد غزت وجدانه ووجدان أسرته، وأن هذه النماذج قد تشكل إدراكه حتى للقرآن والسنة.

هذا من الناحية السياسية والجغرافية(الجيوبوليتيكية)، أما من الناحية المعرفية فإن هؤلاء يصدرون عن تصور أن علاقة القرآن بالواقع علاقة مباشرة، وأن ثمة تطابقاً أو ترادفاً بين القرآن والواقع، وبين المطلق (الإلهي)،النسبي (البشري)، ومن ثم فهم ينكرون وجود مسافة تفصل الواحد عن الآخر ، وافتراض تطابق القرآن بالواقع ينطوي على إيمان بأن الواقع بأسره مكون من كليات، وأنه إن وجدت فيه جزئيات فهي ملتحمة تماماً مع هذه الكليات؛ أي أن القرآن كـل

  120 إسلامية المعرفة، السنة الخامسة: العدد العشرون                       عبد الوهاب المسيري 

 


عضوي متماسك صلب، وأن الواقع الطبيعي لا يختلف عنه كثيراً، وفي هذا ، في تصوري  سقوط في الواحدية المادية التي ترى أن الواقع كلٌ عضوي خاضع للسببية البسيطة الصلبة ، ولذا نجد أن ثمة اتجاهاً كامناً نحو خلع القداسة على التفسيرات البشرية من جراء اتحاد الكليات بالجزئيات، وهذا اتجاه لايختلف كثيراً عن اتجاه الباطنيين الذين يخلعون القداسة على كل الظواهر الزمنية بسبب الحلول الإلهي فيها، والمفارقة الكبرى أن هذه الرؤية لا تختلف كثيراً عن الرؤية العلمانية الشاملة التي ترى أن العالم مكون من جزئيات ، وأن الكليات مستقرة في هذه الجزئيات ؛ فالمطلق حالٌّ في المادة، أي حال في النسبي ولذا فهؤلاء العلمانيون ينكون وجود أية مسافة تفصل بين القانون العام والظاهرة الخاصة؛ إذ إن القانون العام يغطي كل جوانب الظاهرة الخاصة ولا توجد مسافة أو مسافات، ومن ثم تصبح كل الأمور متساوية وكل الأمور نسبية وقد أدى الافتراض السابق (تطابق القرآن والواقع) إلى إغلاق باب الاجتهاد تماماً ورفض تجريد أي شيء من القرآن والسنة. ومن هنا التمسك بالتفسير الجزئي والتصدي لكل جهد معرفي.

إن المعرفة في جوهرها هي تجريد نموذج من النص المقدس (الكلي) يساعدنا على تفسير الجزئي ، في إطار الكلي وعلى الحكم عليه . والمسافة التي تفصل القرآن عن الواقع هي مجال الجهد المعرفي  وهي الدعوة الإلهية للاجتهاد؛ بدلاً من هذا يتصور القائلون بتطابق القرآن والواقع  أن المعرفة هي التنقيب في الكتاب والسنة عن المعلومات والمفاهيم الجاهزة، دون إعمال فكر وثمة نزعة رجعية كامنة في هذا الموقف؛ إذ إنه يجعل الواقع باعتباره إحدى النقط المرجعية فهو مرادف للقرآن بدلاً من أن يكون العقل المسلم عقلاً مجتهداً ، يحاكم الواقع والمعطى الجزئي من منظور الكلي القرآني.

وهذا الموقف الحرفي،الذي يؤدي إلى رفض الاجتهاد،ورفض إعمال العقل، ورفض التجريد من أجل الوصول إلى الكليات الكامنة  قد شجع بعض المواقف الفقهية التي اكتفت في كثير من الأحيان بإصدار الأحكام التي تناسب المواقف المختلفة ، ولم يتأمل أصحابها في القرآن والسنة ثم في التراث الفقهـي ككـل؛

في أهمية الدرس المعرفي                                                          رأي وحوار 121

 


لترتيب هذه الأحكام ترتيباً هرمياً ليستخلصوا منهما نموذجاً ، يمكن توليد الأحكام منه وتحديد معنى المفردات المختلفة من خلاله . ويبدو أن هذه سمة عامة في الحضارة العربية الإسلامية ،ولعل هذا يعود إلى أنها حضارة أنتجت تراثاً حضارياً ثرياً، ولكنها أجهضت عن طريق الضربة التترية ثم الصليبية فتشرنقت دفاعاً عن الذات، ولم تتأمل في تراثها ولم تستخرج منه النماذج المعرفية الخاصة بها . ولذا ظلت الأحكام أحكاماً جزئية (رغم وجود الإطار الكامل كامناً فيها)، وظلت المصطلحات مصطلحات متفرقة لم يتم الربط بينها ، وظلت المقولات التحليلية غير واضحة ، ولا تتمتع بقدر من التجريد يزيد من مقدرتها التفسيرية، ويجعلها قابلة للتشغيل ، كما أن عمليات التغريب والعلمنة جعلت الكثيرين يفزعون ويطالبون بالتمسك بكتاب الله وعدم الابتعاد عنه ، وهم يتصورون أن التمسك يعني الارتباط بحرفية النص والاقتراب الشديد منه، وأن عملية التجريد هي في جوهرها عملية ابتعاد وتأويل ، وقد عطل كل هذا الانطلاقة المعرفية الاجتهادية المطلوبة في كل عصر.

ونحن نذهب إلى أن القرآن هو نص " متسامٍ"للأسباب التالية:

أ-القرآن هو النص المقدس المليء بالمعاني الذي يتعامل مع الكليات تاركاً لنا جزئيات الواقع. ووجود هذه المسافة بين الكليات والجزئيات هي التي تشكل مجال تفاعل الإنسان المخلوق مع خالقه، وهكذا فهي مجال حريته ومسؤوليته.

ب-العقل الإنساني عاجز عن الإحاطة بكل معاني القرآن دفعة واحدة أو حتى على دفعات ، ولذا فثمة مسافات نتيجة هذا العجز. ويجب أن نتذكر دائماً أن القرآن مطلق ، هو كلام الله ، وأن العقل محدود ونسبي ، ولا بد أن يعجز العقل النسبي المتناهي عن الإحاطة بالمطلق اللامتناهي.

وهذه الخاصية تجعل القرآن ذا مقدرة توليدية لا متناهية ، تولد معارف صالحة لكل زمان ومكان ، دون أن تسقط في النسبية ؛ إذ تظل المطلقات الكلية هي التي تشكل إطار المعرفة المتجددة المولدة من النص.

بعد أن استبعدنا بعض المحاولات السطحية أو الجزئية أو المعادية للاجتهاد يمكننا أن نعرف الآن النشاط المعرفي الإسلامي. وهـو تصورنـا التوصـل إلى

  122 إسلامية المعرفة، السنة الخامسة: العدد العشرون                       عبد الوهاب المسيري 

 


مقولات تحليلية تستند إلى النموذج الإسلامي ، وذات مقدرة تفسيرية عالية . هذه المقولات على علاقة ولا شك بالمنظومة الأخلاقية الإسلامية ،ولكنها علاقة غير مباشرة ، فالنشاط الدعوي ، كما أسلفنا ليس نشاطاً معرفياً فهو نشاط أخلاقي ، ولكنه مع هذا يستند إلى أرضية معرفية (غير واعية) فالداعية يدرك منطلقاته(نموذجه المعرفي والإجابة الإسلامية على الأسئلة الكلية)، ومنطلقات الآخر(إجابة نموذجية على الأسئلة الكلية ) فلا بد أن يعرف الداعية المسلم رؤية الآخر للإلهوللأرض وللذات، وكيف يدرك الزمان والآخرة، وكيف يرى الدوافعالإنسانية الأخلاقية ، وعليه أيضاً أن يعرف كيف يمكنه أن يقنع الآخر بإحلال الإجابات الإسلامية على الأسئلة الكلية والنهائية محل ما يؤمن به، وما تم هنا هو عملية مركبة، وبدأت بدراسة القرآن والسنة والتفسيرات المختلفة ، وتم تجريد نموذج إسلامي منه يتضمن القيم الحاكمة الإسلامية (الإجابة على الأسئلة الكلية والنهائية ومقولات تحليلية ذات مقدرة تفسيرية) ثم تمت دراسة نصوص الآخر  المقدسة ودوافعه وتم التوصل إلى النموذج المعرفي الذي يتحكم في سلوكه ويفسر واقعه ثم استخدم النموذج الإسلامي لتفكيك هذا الواقع ولاكتشاف نقائضه ومواطن الضعف فيه، ثم قدمت إجابات إسلامية على الأسئلة الكلية والنهائية، تسد هذا النقص وتطرح أمام المدعو رؤية أكثر إنسانية وتركيباً، فعملية الدعوة هي انتقال من الخاص إلى العام، ومن العام إلى الخاص ، ومن الجزء إلى الكل ومن الكل إلى الجزء.

ولنأخذ مثلاً آخر وهو بناء مسجد لإقامة الصلاة،هذا فعل خير وقرار إقامته هو فعل أخلاقي ، وقرار تجميله هو رؤية جمالية،وقرار استخدامه ركيزة سياسية هو فعل سياسي ولكن حينما نحلل البنية المعمارية للمساجد، فإننا نكون قد وصلنا إلى عالم النماذج والتجريد، في إطار الحاكمة والإجابة على الأسئلة الكلية . فآلإله، حسب الرؤية الإسلامية ، هو المركز غير المنظور للكون يمنحه التماسك دون أن يحل فيه، على عكس مفهوم الإله في المسيحية حيث يتجسد الإله. ينعكس هذان التصوران في معمار الكنيسة في مقابل معمار المسجد؛ فالأيقونة ،رمز التجسد في المسيحية ، هي أيضاً المركز في الكنيسة ، ولذا حينما يدخل إنسان كاتدرائية ، يجد ممراً طويلاً يؤدي إلى هيكل الكنيسة، حيث توجد

في أهمية الدرس المعرفي                                                          رأي وحوار 123

 


الأيقونات أو تمثال العذراء والمسيح، الذي يصبح مركز الرؤية . أما في المسجد فعادة يكون الاتجاه نحو التشتيت وعدم التركيز على مركز ، وحينما نصل إلى المحراب نجده بسيطاً في الزخرفة أو نجد زخرفته هندسية حتى تتشتت الرؤية ولا يسقط الرأي في أي تجسد، وإنما يفكر في المراكز غير المنظور ، الذي لا تحده حدود، وما تم هنا هو عملية معرفية مزدوجة تشبه تلك التي تمت في أثناء عملية الدعوة ، أي تجريد نموذج الآخر وتجريد النموذج الإسلامي ، ثم مقارنة الواحد بالآخر لفهم كليهما ولفهم إجابتهما على أحد الأسئلة الكلية والنهائية (ما علاقة الإله بالكون؟ وما مصدر التماسك).

ويمكن أن نطبق المنهج نفسه على تحليل الصور المجازية في الحضارة العلمانية الشاملة (أي الحضارة الغربية الحديثة ) فصورة مجازية مثل":العالم كالساعة "التي طرحها نيوتن هي صورة ملائمة تماماً للنزعة الربوية إله يخلق العالم ويضبطه وكأنه ساعة ثم يتركه ليدور من تلقاء نفسه دون تدخل إلهي ومن ثم يكفي دراسة سنن الكون ، ويمكن استبعاد الوحي تماماً ، فمركز الكون كامن (أو حالٌّ) فيه. ولنأخذ أيضاً الصورة المجازية الأساسية في المنظومة العلمانية الشاملة صور "بروميثوس" الذي سرق النار من كبير الآلهة وأعطاها للبشر لكي تبدأ الحضارة البشرية هي صورة تفترض الصراع بين كل الكائنات، وتفترض وجود الصراع بين الخالق والمخلوق ، على عكس التصور الإسلامي الذي يرى  أن الله عز وجل  قد علم آدم الأسماء كلها. والصراع يفترض أن الخالق ليس منزهاً عن مخلوقاته وإنما هو مساوٍ لهم ، فكأن مركز العالم يوجد داخله.

ويمكن أن نطبق المنهج ذاته على القرآن الكريم،ولنأخذ الآية الكريمة الخاصة بنور الله:)الله نور السموات والأرض(،وبقلب الإنسان)ثم قست قلوبكم   فهي كالحجارة( يمكن أن يركز الشارح على جمال الصورتين أو على مضمونها الأخلاقي ، وهنا يكون التناول أخلاقياً أو جمالياً وليس معرفياً، ولكن يمكن رؤيتهما تعبيراً عن بنية الرؤية الإسلامية للإله كمركز غير منظور، ومِن ثَمَّ سنجد عناصر الصورة المجازية، رغم أنها ليست صوراً مجازية تجسيدية، ومن هنا فإن احتجاج بعض الأصوليين على المجاز باعتباره كذباً أو زيفاً ربما ينم على عدم فهم له يلاحظ أن فكرة المركز غير المنظور الذي يمنح العالم التماسك دون أن يحل

  124 إسلامية المعرفة، السنة الخامسة: العدد العشرون                       عبد الوهاب المسيري 

 


فيه، تقف على طرف النقيض من المفهوم المادي للمركز الذي إما أن يوجد في المادة ذاتها في عالم التحديث والحداثة ( واحدية صلبة) وإما ألا يوجد على الإطلاق في عالم ما بعد الحداثة سيولة كونية .

وإذا أخذنا الحدثيين الشريفين،حديث المرأة التي دخلت النار في هرة ، لأنها حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من حشاش الأرض، وحديث الرجل الذي وجد كلباً شديد العطش فنزل البئر وملأ خفه بالماء وسقاه، فشكر الله صنيعه وغفر له ، فيمكن القول على مستوى تجريدي بسيط مباشر إن الحديثين يوصيان بالرفق بالحيوان (وهذا تفسير وعظي أخلاقي)، ولكن من خلال عملية تجريد متعلقة يصبح الرجل والمرأة فاعلين ورمز الإنسان الفاعل هو مركز الكون(فالفاعل أعلى من المفعول به) ويصبح الإنسان هو الكائن المستخلف الذي يجب  أن يعمر الأرض ( وهذه هي الإجابة الإسلامية عن السؤال الكلي النهائي الخاص بعلاقة الإنسان بالطبيعة). ويمكن في هذه الحالة ربط هذين الحديثين بالذبح الشرعي على سبيل المثال ( ويلاحظ أن العملية التجريدية رغم عمقها ، لم تستمر إلى ما لا نهاية لتصل إلى الثنائيات الرياضية المتعارضة ، التي تتسم بها كتابات البنويين ، وعملية التجريد تمت في إطار إسلامي).

ويلاحظ أنه في كل الأمثلة السابقة تمت عملية هي في جوهرها عملية تجريد للنموذج في إطار القيم الحاكمة الإسلامية (الإجابة التي يقدمها النموذج على الأسئلة الكلية والنهائية)، واستشفاف الإجابة على الأسئلة الكلية (حركة من الخاص إلى العام ومن الجزئي إلى الكلي)، ثم تطبيق هذا النموذج على حالة بعينها (حركة من الكلي إلى الجزئي بحيث يكتسب هذا الجزئي الذي يشبه إحدى المفردات الموجودة في المعجم خارج أي سياق ، معنى إسلامياً محدداً من خلال تحوله من مجرد جزء مستقل إلى جزء من الإجابة الإسلامية على الأسئلة الكلية)، وهذا هو في تصورنا النشاط المعرفي الإسلامي .

ويمكننا أن نتناول موضوعنا الأساسي ، وهو أهمية الدرس المعرفي،     ويمكن القول إن الدرس المعرفي في كل العصور ، فكل إنسان ، شاء أم أبى، يستخدم نماذج معرفية تحوي مسلمات كلية ونهائية ، وذلك في أثنـاء أبسـط

في أهمية الدرس المعرفي                                                          رأي وحوار 125

 


عمليات الإدراك بوعي أو بدون وعي منه وقد شُبه استخدام النماذج باستخدام قواعد النحو أو قواعد الهندسة فحينما يتحدث الإنسان لغته، وحينما يبني بيتاً (وفي المجتمعات التقليدية خاصةً) فإنه يستخدم قواعد النحو والهندسة دون معرفة سابقة أو واعية بهما ، الدرس المعرفي إذن حتمي ومهم، هكذا كان دائماً ولكن الأمور في العصر الحديث زادت تركيباً ومن ثم أصبح الدرس المعرفي أكثر أهمية عن ذي قبل بالنسبة إلى كل أعضاء المجتمع، ولا سيما الإسلاميين وذلك لمركب من الأسباب نورد بعضها فيما يلي:

1-كان النموذج الفقهي (الإسلامي التقليدي) يعيش داخل الحضارة الإسلامية ، يعيش مفرداتها الإسلامية ونحوها الإسلامي ، ولذا كان الفقيه القديم يواجه تحديات ويحاول الإجابة على أسئلة تطرح عليه من داخل الحضارة الإسلامية  لا من خارجها . ولكن اختلفت الآية الآن فنحن نترك داخل حيز غير إسلامي ، وداخل تشكيلات حضارية غير إسلامية (بما في ذلك البلدان التي تدعي أنها إسلامية )، وواقعنا ليس من صنعنا ومن ثم تطرح علينا قضايا وأسئلة جديدة غير إسلامية.

2-قامت الحضارة الغربية الحديثة (وهي حضارة ذات جاذبية عالية للغاية) باختراقنا واختراق غيرنا ، وقد اخترقنا هذه الحضارة في بداية الأمر على المستوى السلوكي ، ثم اخترقنا على المستوى المفاهيمي ، ومستوى النماذج المعرفية ، الكلية والنهائية كما اخترقنا هذه الحضارة من خلال سلعها الحضارية ذات الجاذبية العالية . وقد ضربنا من قبل بعض الأمثلة ، ويمكن أن نضرب مثلين صارخين هما :

كارتون توم وجيري وأفلام رعاة البقر . إن درسنا هذه الأفلام بطريقة معرفية ، أي من منظور الثوابت الكلية والنهائية سنجد أنها تسودها قيم عالم دارويني صراعي  مدمر ولكنه مع هذا تم تغليفه بعناية بالغة بحيث يظهر كما لو كان أحد أشكال التسلية البريئة ! ولذا نجد أن أطفالنا يقبلون على هذه الأفلام بل نشجعهم نحن على ذلك ، فنحن نظن أنها ليس فيها ما يتنافى مع القيم أو مع الأخلاق الإسلامية مع أنها في واقع الأمر تتنافى مع الكليات والثوابت النهائية الإسلامية .

3-تضاعف المعلومات مـرة كـل خمسـة أعـوام (حسـب بعـض

  126 إسلامية المعرفة، السنة الخامسة: العدد العشرون                       عبد الوهاب المسيري 

 


الاحصاءات ) ولا ندري هل يستوعب الإنسان كل هذه المعرفة ويحولها إلى فعل إنساني يزيد من سعادته أم أن التراكم المعلوماتي يحاصره ويجهض إمكاناته الإنسانية . ويلاحظ أن بعضهم ينادي بضرورة" اللحاق بهم" وكأن هذا هو المثل الأعلى ومنتهى المراد والدرس المعرفي سيعلمنا خطورة ثورة المعلومات على العقل البشري وربما أمكننا توظيفها لصالح الإنسان بدلاً من أن يوظف الإنسان لصالحها.

4-ظهرت معلومات جديدة تثير الشك بخصوص بعض القضايا الأخلاقية (الاستنساخ-الأساس الفسيولوجي للشذوذ الجنسي(،ولا يمكن الإجابة على هذه المعلومات إلا من خلال رؤية معرفية إسلامية ثاقبة.

5-ظهر علم الألسنيات وتطورت آليات تحليل النصوص بشكل مذهل في الأعوام الماضية ويحاول المستشرقون والمفكرون ، ممن لا يؤمنون بالإسلام ويحاولون تحطيمه، أن يفسروا القرآن والحديث بما يتراءى لهم ومن خلال نماذجهم المعرفية ، وإن لم تمتلك ناصية علم الألسنيات وآليات تحليل النص هذه ، اكتسحنا هؤلاء المفسرون دون أن ندري.

6-ازداد العالم ضيقاً وانكماشاً بسبب وسائل الاتصال الإلكترونية ، كما ظهرت مشاكل ذات طابع"عالمي"مثل تلوث البيئة والإيدز وسياق التسلح، وكل هذه يتطلب أن نقف على أرضية معرفية إسلامية صلبة.

7-أصبح الحوار مسألة حتمية في هذا العالم الصغير . وقد انعكس هذا بطبيعة الحال على حوار الأديان الذي تزايدت مؤثراته في الآونة الأخيرة ولا بد أن يشارك فيه المسلمون ومشاركتهم بدون أرضية معرفية صلبة يشكل خطورة كبيرة على العقل الإسلامي . ولذا يجب التحصن بالنموذج المعرفي الإسلامي .

8-شهدت العلوم الإنسانية في الغرب انقطاعاً كاملاً منذ عصر النهضة الغربية فأصبح كل علم مرجعية ذاته ، فالاقتصاد مرجعيته اقتصادية ، والسياسة مرجعيتها سياسية ...الخ وهذا يعني في واقع الأمر الانفصال الكامل عن فكرة القيمة الشاملة أي أن عملية الانفصال الكامل عن فكرة القيمة الشاملة ، أي أن عملية الانفصال هذه هي في واقع الأمر علمنا شاملة وتشئ كامـل للمعرفـة،

في أهمية الدرس المعرفي                                                          رأي وحوار 127

 


وفرض للنماذج المادية. وعملية الانقطاع اكتسحت عالمنا الإسلامي أيضاً ولذا يمكن القول إن العلوم الإنسانية والطبيعية التي تدرس في الجامعات في العالم الإسلامي ، تصدر عن مقولات العلمانية الشاملة المتجاوزة للأخلاق وللإنسان . ولن يتوافر الوعي الكامل بالقيم الكامنة (أو اللاقيم الكامنة) في مثل هذه العلوم. إلا من خلال الإدراك العميق للأبعاد الكلية والنهائية الإسلامية.

9-الحضارة العلمانية الشاملة حضارة تفترض تطوراً عالمياً شاملاً قد يكون أحادي المسار Unilinear أو متعدد المسارات Multilinear . ولكن مهما كان الأمر فهو يؤدي في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلى النقطة نفسها في الحضارة الغربية الحديثة التي تصلح لكل زمان ومكان. وتسديد هذه الحضارة بنماذجها المعرفية ، مراكز بحوث ضخمة وآليات بحثية لم يشهد مثلها البشر من قبل. وفي غياب البعد المعرفي يقبل الجميع"عالمية هذه الحضارة وحتميتها ، دون تساؤل أو اجتهاد.

10-هذه الحضارة ليست حضارة غربية كما تدعي ، فهي دون شك إحدى ثمرات التطور الحضاري الغربي ، ولكنها حضارة معادية للإنسان (بما في ذلك الإنسان الغربي نفسه)، وهي حضارة لا تهاجم رؤية معينة ولا ديناً معيناً ولا منظومة قيمية معينة ، وإنما تهاجم فكرة الرؤية والدين والقيمة . فهي تذهب إلى أن العالم تعددي بشكل مفرط ، لأنه لا مركز له ولا مطلقات فيه ،كل الأمور فيه متساوية ، ومن ثم كل الأمور نسبية ، وهي حضارة تهاجم المقولات القبلية Apriori ، التي كانت تضمن وجود الإنسان كائناً مستقلاً عن الطبيعة (المادة) لأن المقولات القبلية حتى لو وجدت في عقل الإنسان تفترض انفصاله عن عالم الطبيعة(المادة) هذه الحضارة الجديدة تدعي أنها تجاوزت الفلسفة والميتافيزيقا، فهي حضارة إما مؤسسة على الحقائق العلمية والتجارب العلمية وإما لا تحتاج لأساس أصلاً؛ لأن الأساس يفترض المركز . وقد سميت ما بعد الحداثة (الفلسفة السائدة في الغرب ) Anti-Foundationalism ، أي ضد التأسيس.

  128 إسلامية المعرفة، السنة الخامسة: العدد العشرون                       عبد الوهاب المسيري 

 


11-رغم كل هذا نجد أن هذه الحضارة حضارة داروينية فهي مادية أكثر منها عقلانية، تقبل الصراع بوصفه قيمة نهائية، وتجعل من البقاء المادي الهدف الوحيد من الوجود، وقد تقبّل عامة الناس النموذج الدارويني الصراعي دون إدراك منهم ، ولا يمكن توضيح ذلك إلا من خلال الدرس المعرفي .

12-ظهر فكر احتجاجي ثري للغاية في الغرب ، وهذا الفكر يدور حول تعثر الفكر المادي والفكر الوضعي التجريبي والفكر البرجماتي . ويمكن للمسلمين الاستفادة من هذا الفكر في محاولة تعريف الثوابت الكلية والنهائية الإسلامية ، في مقابل الثوابت العلمانية الشاملة والداروينية المادية.

 



*  دكتوراه في الأدب الإنكليزي والأمريكي المقارن ، جامعة رتجرز –الولايات المتحدة الأمريكية 1969.

أستاذ غير متفرغ بجامعة عين شمس بالقاهرة .

العودة الى الأعلى رؤية iiitl's الملف الشخصي ابحث عن مشاركات اخرى بواسطة iiitl زيارة iiitl's الصفحة الرئيسية
 

اذا كنت تريد أضافة رد على هذا الموضوع يجب اولاً ان دخول
اذا لم تكن مسجّلاً يجب اولاً ان تسجٍّل

  إضافة ردإضافة موضوع
للطباعة للطباعة

انتقل الى
انت لا يمكنك إضافة مشاركة جديدة في هذا المنتدى
انت لا يمكنك الرد على المشاركات في هذا المنتدى
انت لا يمكنك حذف المشاركات في هذا المنتدى
انت لا يمكنك تعديل المشاركات في هذا المنتدى
انت لا يمكنك خلق استفتاءات في هذا المنتدى
انت لا يمكنك التصويت على استفتاءات هذا المنتدى



تم تكوين هذه الصفحة خلال 0.1094 ثوان